تقرير بحث السيد الخوئي للفياض

409

محاضرات في أصول الفقه

وثانيهما : قصد التوصل بها إلى الواجب فإنه أيضا موجب لوقوع المقدمة عبادة ولو لم نقل بوجوبها شرعا ، لما عرفت في بحث التعبدي والتوصلي من أنه يكفي في تحقق قصد القربة إتيان الفعل مضافا به إلى المولى وإن لم يكن أمر في البين ( 1 ) . وعليه فالآتي بالطهارات الثلاث بقصد التوصل بها إلى الصلاة أو نحوها فقد أوجد المقدمة في الخارج وإن لم يكن ملتفتا إلى الأمر النفسي المتعلق بها وقاصدا لامتثاله . كما أن الآتي بها بقصد أمرها النفسي موجد للمقدمة وإن لم يكن ملتفتا إلى المقدمية . وقد تحصل من ذلك : أن لزوم الإتيان بالطهارات الثلاث عبادة لم ينشأ من ناحية أمرها الغيري ، بل من ناحية كون المقدمة عبادة ، سواء فيه القول بوجوب المقدمة أو القول بعدم وجوبها . وبكلمة أخرى : أن مقدمية الطهارات الثلاث تنحل إلى ذوات الأفعال وقصد التقرب بها ، فإذا جاء المكلف بالأفعال في الخارج ولم يقصد بها التقرب إلى المولى فلم يوجد المقدمة خارجا ، فلا تصح عندئذ العبادة المشروطة بها . وأما إذا قصد بها التقرب - سواء كان من ناحية قصد الأمر النفسي المتعلق بها ، أو من ناحية قصد التوصل بها إلى الواجب - فالمقدمة قد وجدت في الخارج ، ومعه تصح العبادة المشروطة بها ، ولا يفرق في ذلك بين القول بوجوب المقدمة والقول بعدمه . فالنتيجة : أن الأمر الغيري لا يعقل أن يكون منشأ لعباديتها . وقد ظهر مما ذكرناه أمران : الأول : أنه لا إشكال في صحة الإتيان بالوضوء والغسل بداعي أمرهما النفسي ومحبوبيتهما كذلك ، أو بداعي التوصل إلى الواجب النفسي قبل الوقت ، لما عرفت من أن إتيانهما كذلك لا يتوقف على عروض الوجوب الغيري عليهما ( 2 ) . كما أنه لا إشكال في الاكتفاء بهما بعد دخول الوقت ، لفرض أن المقدمة - وهي

--> ( 1 ) تقدم في ص 179 - 180 فراجع . ( 2 ) قد تقدم آنفا فلاحظ .